الجمعة، 3 أبريل 2020

القدس في عيني ابن بطوطة

معقد الأمل !

مثلت رحلات المغاربة إلى بيت المقدس ، وخاصة بعد أن حررها صلاح الدين الأيوبي من أيدي الصليبيين في معركة حطين الفاصلة  سنة 583ه ، تقليدا دينيا ، علميا ، ثقافيا وأدبيا لافتا ، أسهم إلى حد بعيد في تعزيز هوية ومركزية بيت المقدس في الوجدان العربي والإسلامي ، بل و قد أصبحت جزءا من عرض القوة الذي أرساه وشجع عليه صلاح الدين الأيوبي واستمر من بعده ، تلافيا لإمكانية سقوط المدينة المقدسة في أيدي الصليبيين مرة ثانية ، ولتأكيد حقيقة أن القدس هي فعلا أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ، وليست مدينة منسية أو مهجورة.
ومن البديهي أن تكون رحلة ابن بطوطة ، بوصفه أشهر الرحالة المغاربة بوجه خاص وأشهر الرحالة المسلمين بوجه عام ، محط اعتنائنا ، نظرا لما عرف عن هذا الرحالة من اعتناء بمظاهر الحياة اليومية  ، الا أن التمعن فيما كتبه عن القدس وعلمائها وزهادها  ، مقارنة بما كتبه عن سائر مدن فلسطين ، يظهر قدرا كبيرا من التحفظ والاقتضاب اللذين يمكن تفسيرهما بحداثة سنه حين زار القدس ، وشعوره بالرهبة أمام معالم المدينة المقدسة وأمام علمائها وصوفييها الموقرين .

من هو ابن بطوطة ؟

ولد أبو عبدالله محمد بن عبدالله بن محمد بن ابراهيم اللواتي الطنجي المشهور بابن بطوطة سنة 703ه في مدينة طنجة ، تقع طنجة شمال المملكة المغربية على الساحلين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي ، متحدرا من أسرة ذات علم وجاه ، وقد حاز قسطا طيبا من العلم والأدب قبل أن ينهض لأداء فريضة الحج وهو في الثانية والعشرين  ، انطلق ابن بطوطة في رحلته الأولى عام 725ه ، فعبر تونس ومنها ركب البحر إلى مصر ، ثم اتجه إلى بلاد الشام فتجول في فلسطين والأردن وسوريا ، ثم عاد إلى الجزيرة العربية فزار المدينة المنورة ومكة المكرمة ، ثم قصد العراق وفارس فاليمن فعمان وشرق أفريقيا فآسيا الصغرى فالقسطنطينية فآسيا الوسطى والهند والصين ثم عاد إلى فاس في المغرب سنة 750ه ، فاستقبله السلطان أبو عنان المريني استقبالا حافلا  ، ثم انطلق في رحلته الثانية ميمما شطر الأندلس وتجول في مدنها ، ثم آب إلى مدينة فاس لستأنف رحلته الثالثة سنة 754ه باتجاه السودان وافريقية الوسطى ، ثم قفل راجعا إلى فاس حيث أقام فيها مكرما هانئ البال حتى توفي عام 779ه .

القدس في عيني ابن بطوطة

تتسم رحلة ابن بطوطة رغم كل ما أحاط بها من علامات استفهام بالعديد من السمات التي تجعل منها رحلة فريدة واشكالية في آن  ، فهي نتاج دافع ذاتي بحت وليست نتاج تكليف رسمي ، وهي خاتمة الرحلات الإسلامية قبل الحكم العثماني على الوطن العربي ، وهي تمثل حصيلة ثلاث رحلات امتدت قريبا من ثلاثين عاما ، أي أنها الرحلة الأطول في تاريخ أدب الرحلات عند المسلمين ، وعلى الرغم من أن محمد بن جزي كاتب السلطان أبي عنان النريني هو الصائغ الحقيقي للرحلة ، إلا أن ما اشتملت عليه الرحلة من مشاهدات وملاحظات تمثل النظرة الأخيرة للرحالة المسلمين الذين اضطلعت دواعي طلب العلم وأداء فريضة الحج وميسرات السفر والإقامة ، باكسابهم هوية كونية ترى في العالم كله موطنا لها ، وترى كل بقعة منه مقصدا يهون الغالي والنفيس في سبيل الوصول اليه  ، كما ترتدي صورة القدس وصورة علمائها في رحلة ابن بطوطا أهمية كبرى ، لأنهما تعكسان الوضع النهائي الذي استقرت عليه المدينة المقدسة بعد أن وضعت الحروب الصليبية أوزارها ، وإذا اخذنا بعين الاعتبار رحلة ابن جبير الذي يتقدم ابن بطوطا من حيث المولد ب165 سنة قد خلت من وصف القدس لأنها كانت ترزح تحت نير الصليبيين  .
يمثل وصف ابن بطوطة لبيت المقدس حلقة سلسلة متصلة من كلامه على مدن فلسطين ، حيث تبدأ بغزة ثم الخليل ثم بيت لحم فالقدس فعسقلان فالرملة فنابلس فعكا فطبريا ، أما غزة فهي كما يؤكد ابن بطوطا بوابة بلاد الشام من جهة مصر ، مساحتها واسعة وعماراتها وافرة ، وأسواقها مزدهرة ومساجدها عديدة ، أما الخليل فهي صغيرة المساحة ، كبيرة القدر ، حسنة المنظر ، تقع في بطن واد ومسجدها الإبراهيمي أنيق محكم بديع مرتفع منحوت بالصخر  ، أما عسقلان التي وصلها ابن بطوطا وهي رسوم طامسة وأطلال دارسة ، فيستدرك أنها حازت قبل ذلك من المحاسن ما لم يحزه إلا القليل من المدن ، من حيث الجمع بين مرافق البحر والبر ، فضلا عن أنها كانت تحتضن رأس الحسين بن علي رضي الله عنهما ، قبل أن ينقله الفاطميون إلى القاهرة ، وأما الرملة فهي مدينة كبيرة مزدهرة وافرة الخيرات والأسواق ، وبها الجامع الأبيض الذي يقال أن ثلاثة من الأنبياء دفنوا في قبلته ، وأما نابلس فهي مدينة عظيمة وافرة الخضرة والماء والزيتون والزيت والحلواء . وأما عكا فقد زارها ابن بطوطة وهي خراب بعد أن كانت قاعدة الافرنج ومرساهم حتى شبهت بالقسطنطينية ، وأما طبريا التي يقول بأنها كانت فيما مضى مدينة كبيرة ضخمة ، فلم يبقى منها الا رسوم تنبئ عن ضخامتها وعظم شأنها.

صفة بيت المقدس

ما ان يصل ابن بطوطة الى بيت المقدس الذي شرفه الله بأنه ثالث المسجدين الشريفين في رتبة الفضل ، ومسرى النبي عليه الصلاة والسلام ومعراجه ، حتى يلاحظ أن البلدة كبيرة مشرفة منحوتة في الصخر ، وينوه بأن صلاح الدين الأيوبي كان قد بادر الى هدم جزء من سورها بعد أن فتحها ، ثم خاف الملك الظاهر أن يعاود الفرنجة الكرة فيستولون عليها ويتمنعون بها ، فأمر بهدم السور كله  ، ولما كانت القدس تفتقر إلى الأنهار فقد بادر سيف الدين زنكي أمير دمشق بجلب الماء لها .

صفة المسجد الأقصى

يؤكد ابن بطوطا أن المسجد الأقصى فائق الحسن بالغ الاتساع حد أنه يردد قول من قال : بأنه ليس على وجه الأرض مسجد أكبر منه  ، ويقدم وصفا توثيقيا للمسجد الشريف ؛ فيقطع بأن طول المسجد الشريف من الشرق الى الغرب هو سبعمائة واثنان وخمسون ذراعا ، وأن عرضه من جهة القبلة الى وسطه هو أربعمائة وخمسة وثلاثون ذراعا ، أما أبوابه فهي كثيرة من الجهات الثلاث خلا الجهة القبلية لأن فيها بابا واحدا مخصصا لدخول الإمام .

صفة قبة الصخرة

بدت قبة الصخرة في عيني ابن بطوطة عجيبة متقنة وافرة الحظ من الحسن ، وقد قامت على مرتفع وسط ساحة المسجد الأقصى ويرتقى اليها بدرج رخامي ، أما أبوابها فعددها أربعة أبواب وما حولها مبلط برخام متقن وكذلك داخلها ، وقد أخذت زخارفها الداخلية والخارجية بمجامع قلب ابن بطوطة ، فهي فضلا عن الاتقان الفائق ، تتلألأ وتلمع لمعان البرق حتى ان بصر المتأمل في محاسنها ليحار ، وحتى ان لسان ناظرها يقصر عن التمثيل .

صفة كنيسة المهد وكنيسة القيامة

لا يدخر ابن بطوطة وسعا لاستكمال توثيق مشاهداته في القدس الشريف ، فيذهب الى الوادي المسمى وادي جهنم شرقي القدس حيث يوجد مقام في المكان الذي يعتقد بأنه كان مصعد عيسى عليه السلام الى السماء ، أما بطن الوادي فيحتضن كنيسة يعتقد بأن قبر مريم عليها السلام موجود فيها ، كما يحتضن كنيسة القيامة التي يعتقد بأن قبر السيد المسيح عليه السلام موجود فيها .

صفة علماء القدس وزهادها

اختار ابن بطوطة أن يمثل لمن التقاهم أو سمع بهم من العلماء والصالحين المشهورين في القدس الشريف ، بمجموعة منتقاة يقف في طليعتهم القاضي العالم شمس الدين محمد بن سالم الغزي ، والخطيب الفاضل عماد الدين النابلسي ، والمحدث المفتي شهاب الدين الطبري ، والفقيه المالكي أبو عبدالله محمد بن مثبت الغرناطي ، كما يقف في طليعتهم أيضا الشيخ الزاهد أبو علي حسن المعروف بالمحجوب وهو من كبار الصالحين كما يؤكد ابن بطوطة ، والشخ الصالح العابد كمال الدين المراغي ، والشيخ الصالح العابد أبو عبد الرحيم عبد الرحمن بن مصطفى الرومي تلميذ تاج الدين الرفاعي الذي أكد ابن بطوطة ملازمته له وتلقيه خرقة التصوف منه.
ظهر من اعتناء ابن بطوطة بمنابت العلماء والصالحين في القدس ميزة التعدد والتنوع في الأصول ، وذلك ليس بمستغرب ؛ فالقدس مثلت منذ افتتاحها في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، مقصدا لكل العلماء والزهاد وطلبة العلم والرحالة المسلمين ، بل هي مثلت أيضا مقصدا لغير المسلمين من الحجاج والرهبان المسيحيين.



المصادر:
ابن بطوطة ، تحفة النظار
بساط الريح دراسات تطبيقية في أدب الرحلات
أدب الرحلة عند العرب

هناك تعليقان (2):

  1. "مكانة القدس الدينية نصّ عليها الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين، وشكّلت عامل جذب من مختلف الأمصار الإسلامية فأمّوها للعبادة والزيارة والعلم والتعليم، كما دفعت قدسيتها الخلفاء والامراء إلى الاهتمام بها وبأهلها تأكيداً لعروبة وإسلامية هويتها".
    أحسنتم الطرح ��

    ردحذف