السبت، 4 أبريل 2020

المثقف العضوي


"المثقف هو الشخص الذي لا يجب أن يكون همه الأساسي إرضاء جمهوره وإنما العبرة الأساسية أن يكون محرجا ومناقضا ، بل حتى مكدرا للصفو العام ، دور يساهم في إقلاق السلطة بأفكارها الراسخة .
إدوارد سعيد

دار جدل فكري واسع في الساحة المحلية عن الهوية والمثقف الذي فقد دوره ، وتم تغييبه عن القضايا العامة ، وتهميشه معرفيا وسياسيا ، خاصة في عصر "العولمة" "وما بعد الحداثة" ، التي بشرت منذ عقود بنهاية المثقف والايديولوجيا ، فقد تم تعريف المثقف الحقيقي بأنه المثقف المنخرط في التغيير ، وكما قال إدوارد : مهمة المثقف إقلاق السلطة ، أي لا يوجد له خيار غير هذا ، وانعزاله عن المجتمع وقضاياه وهمومه وتركه لمهمته الحقيقة صنعت فجوة اجتماعية لا يمكن ردمها ، اذ أن المثقف لا تظهر مكانته الحقيقة الا إذا كان مصلحا لا صالحا بحيث أنه متجاوز ذاته إلى الغير وانخراطه في مشروع إصلاح اجتماعي كبير ، لكن الدولة القطرية الحديثة لا تعطيه دوره وتعمل على تهميشه وتجفيف منابعه ومحاربة مؤسساته بمختلف أنواعها حزبية وغير حزبية ، ليصبح موظفا ينسى نفسه في دوامة الوظيفة ولقمة العيش وينسى نفسه كمثقف مسؤول.
نحت الفيلسوف أنطونيو غرامشي مفهوم المثقف العضوي ونظر له ، انخرط غرامشي في العمل السياسي والثقافي ، وشارك في تأسيس الحزب الشيوعي الايطالي سنة 1921 ، وخاض الانتخابات النيابية ، ففاز فيها وترأس الكتلة الحزبية البرلمانية ، وأصبح رئيسا للحزب الاشتراكي الايطالي  ، عاش غرامشي سنين طويلة متنقلا بين السجون والمصحات ، واستطاع أن يكتب أهم أعماله الفكرية ، التي عرفت (بدفاتر السجن) ، التي تناول فيها مفهوم المثق والحزب ، والهيمنة الثقافية ، والنهضة والمجتمع المدني ، وموضوعات سياسية وفلسفية أخرى.
تأثر غرامشي بتراث النهضة الأوروبية عموما والايطالية خصوصا ، واستوعب التيارات الفلسفية المثالية والمادية ، ولم تكن الهوة شاسعة بينهما كما هو الحال في بيريطانيا وفرنسا ، وتميز بفهمه الأصيل لهذه الفلسفات التي جعلت منه مفكرا مبدعا .
استعاد الفكر الفلسفي والسياسي دور غرامشي وأهميته في الحياة السياسية والثقافية ، وأصبحت مقولاته أهم المصادر الفلسفية ، والتي كان لها امتداد واضه على الفكر العربي المعاصر ، وتأثر به الكثير من مفكري النهضة العربية والحداثة والتحديث  ، وخاصة مقولات المجتمع المدني والسياسي ، والسلطة والكتلة التاريخية ، وبناء الحزب بوصفه مؤوسة اعداد وتعبئة وتثقيف للجماهير ، ومفهوم المثقف العضوي.
رفض غرامشي التصنيف العامودي للناس ، مثقفين وغير مثقفين ، فهو لا يعتقد بوجود انسان خالي من الثقافة ، أو لا يحمل مبدئ ووجهة نظر خاصة للأمور ، فلذلك كلنا مثقفون على صعيد  حيازة المعرفة بمفهومها اللازم غير المتعدي ، فهي ليست بالشيء المهم ، لأن غرامشي قسم المثقفين إلى : مثقف عضوي ، ومثقف تقليدي ، والحائز على المعرفة وحدها غير المتعدية يندرج تحت فئة المثقف التقليدي.
المثقف التقليدي ؛ مثقف مستقل متجاوز الطبقة المسيطرة وغير المسيطرة ، علاقته ضعيفة أو غير مباشرة بالصراعات الاجتماعية.
المثقف العضوي ؛ مثقف الطبقة الاجتماعية ، التي تنتجه ، يحمل مشروعها التاريخي فيمنحها الوعي الذاتي ، وهو أكثر انخراطا بالطبقة الاجتماعية من المثقف التقليدي المعرض دائما لتهميش دوره وتقزيمه ، والعضوية الاجتماعية تجعله قادرا على تعبئة الجماهير وخلق روح ثورية فيهم فضلا عن موافقة شريحة عريضة من الناس في المجتمع له ، على عكس المثقف التقليدي الذي ربما ينحاز دون معرفة منه لخدمة الطبقة المسيطرة على حساب الطبقة الاجتماعية .
تتمثل وظيفة المثقف العضوي في تحقيق السيطرة الاجتماعية بالاقناع ، وتحقيق الولاء العفوي للطبقات الأخرى ، وهذا يتطلب طبقة اجتماعية واعية لذاتها ومشاكلها ، وعلى درجة عالية من الوعي والتنظيم والانسجام ، فهو رهن بوجود الطبقة والصراع الطبقي والتمايز الذي لن ينتهي بالكلية .
إن حركة شعبية واعية لذاتها تطالب بالتغيير تتطلب ضرورة افساح المجال لدور المثقف الحاسم ، لمنح التغيير هوية ورؤية واقعية ، لتقدير ذاتها وامكانية الاصلاح والثورة ، ولن يتم ذلك للمثقف إلا بمقاربة الحراك الشعبي والانخراط فيه ، وتبني مطالبه ، أما النظرة من الأبراج العاجية فلن تنتج الا نظرة مثالية خالية من الحركة غير نشطة ، لقد أنتج كل جزء من العالم مثقفيه ، كما يقول إدوارد سعيد : "لم تقم ثورة كبرى في التاريخ دون أن تضم بين صفوفها مثقفين" هم عامل التعبئة والماكينة المحركة .
وعلى هذا الأساس لا بد من إعادة النظر في البنية الابستمولوجية لمفهوم المثقف ، لإعادة انتاجه بما يتناسب مع واقعنا الخاص وتصفيته من حمولته الايديولوجية الخاصة بالغرب ، وتوجه إلى مواجهة المشاكل العربية بنظرة عربية خاصة تكون من داخله على حد تعبير الجابري لا أن ينظر المثقف العربي بعقليته المتغربة لمشاكل مجتمعه العربي.

المصادر:
زهير توفيق ، المثقف والثقافة
ازمة المثقفين العرب ،نصوص ومقالات مختارة
كاميت ، جورج ، غرامشي حياته وأعماله

هناك 3 تعليقات:

  1. للثقافة دائماً هوية، وأحياناً لا تتعدى حدود المجتمع أي لا يوجد فيها تغيير، والمثقف الحقيقي يرى الخطأ من ديمومة انسجام المثقف بالطبقة الاجتماعية الحالية.
    أحسنتم الطرح، بارك الله في جهودكم.

    ردحذف