الأربعاء، 1 أبريل 2020

عندما يكون الألم هبة

عدم الشعور الخلقي بالألم هو إحدى الحالات الطبية النادرة جدا ، وهي أن الشخص لا يستطيع الشعور بالألم و يكون ذلك على نوعين :

أولا : عدم الشعور بالألم ؛ تعني أن محفز الألم لم يتم إدراكه، و المصاب في هذه الحالة لا يستطيع أن يصف شدة الألم أو نوع الألم . 
ثانيا : عدم الاكتراث بالألم ؛ تعني أن المصاب يمكنه إدراك محفز الألم ، ولكن ينقصه رد فعل مناسب ؛ فهم لن يجفلوا أو يقوموا بالانسحاب عند التعرض للألم .
يصف الدكتور بول براند وهو جراح يد متخصص في مرض الجذام ، يعمل أستاذا فخريا للطب الاكلينيكي بقسم جراحة العظام في جامعة واشنطن ، حالة مريضته تانيا في كتابه هبة الألم لماذا نعذب وما موقفنا من ذلك يقول : كانت مريضتي تانيا بعمر أربعة أعوام ، ذات عينين سوداوين لامعتين وشعر مموج وابتسامة لعوب ،  كشفت عليها في المستشفى الوطني للجذام ، حيث أحضرتها والدتها لتشخيصها، كان الجو مشحون بين الطفلة الصغيرة وأمها ، إلا أني لاحظت أنه لا يبدو على تانيا الخوف بشكل مريب ، جلست على طرف سرير الكشف وأخذت تشاهدني دون إبداء أي انفعال خلال إزالتي الضمادات المبللة بالدم من قدميها، اختبرت كاحلها الأيسر المتورم ووجدت أن الكاحل يتحرك يمنة ويسرة ، مما يدل على انفصاله التام عن الساق . جفلت لحظتها من هذه الحركة غير الطبيعية ، على العكس من تانيا ، استأنفت إزالة الضمادات وسألتها ، في محاولة مني لتخفيف حدة التوتر في الغرفة : هل أنت متأكدة من رغبتك في شفاء هذه التقرحات أيتها السيدة الصغيرة؟ وأكملت : لا بد من ارتداء الحذاء مجددا . ضحكت تانيا ، وظننت أنه من الغريب أنها لم تجفل ولم تتأوه خلال إزالتي اللفافة الملتصقة بجلدها  ، لما أزلت الضمادة الأخيرة ، وجدت تقرحات ملتهبة فظيعة في باطن القدمين . جسست الجروح بحذر شديد ، مختلسا النظر الى وجه تانيا متطلعا لردة الفعل إلا أنها لم تظهر شيئا من ذلك ، كان المجس يندفع بلا صعوبة داخل الأنسجة اللينة المتهتكة ، حتى أني استطعت رؤية اللون الأبيض البراق للعظم المكشوف ولم تظهر تانيا رد فعل حتى الآن.

تخبر والدتها قصة ابنتها فتقول : لا أنسى اللحظة التي أدركت فيها للمرة الأولى أنها تعاني من مشكلة حقيقية ،  ذات يوم ذهبت الى غرفتها لأجدها جالسة على أرضية قفص ألعابها ترسم دوائر حمراء بأصابعها على المفرش البلاستيكي الأبيض . لم أستوعب الموقف بداية ، إلا أني لما دققت النظر صرخت . كان موقفا مريعا ، أنمل إصبع تانيا كان مبتورا وينزف ، وكانت تستخدم دمها لرسم تلك الرسومات على المفرش.
صرخت : تانيا ما الذي حصل ؟ ابتسمت تانيا ابتسامة عريضة لأرى خيوطا من الدم على أسنانها ،  لقد قضمت تانيا طرف إصبعها وكانت تلعب بالدم.
يقول جيف وودز ، الذي يجري أبحاثا عن الألم في معهد كامبريدج للأبحاث الطبية في بريطانيا : من بين مرضى عدم الإحساس الخلقي بالألم الذين عملت معهم في المملكة المتحدة ، قتل العديد من الذكور أنفسهم في أواخر العشرينيات من العمر من خلال قيامهم بأمور خطيرة للغاية لعدم شعورهم بالألم ، أو أصابوا مفاصلهم بأضرار بالغة أو انتهى بهم الأمر إلى الانتحار .
وقد تم الابلاغ عن أول حالة عدم إحساس خلقي بالألم عام 1932 من قبل طبيب من نيويورك يدعى جورج ديربورن ، كان قد وضع توصيفا لحالة بائع تذاكر في الرابعة والخمسين من العمر ادّعى أنه لا يذكر أي شعور بالألم رغم تجارب عديدة مثل ركضه إلى منزله بعد تعرضه للطعن وهو طفل .
عدم شعورك بأي ألم في أي مكان في جسدك على مدار حياتك كلها أمر نادر ؛ فمن بين كل مليون شخص حول العالم يعاني منه شخص واحد ، حالة هؤلاء المصابين تجعلك تقدر أهمية الشعور بالألم ، بالأخص حين تعلم أن طفولتهم بأكملها مرت وهم يعضون شفاههم وألسنتهم وأصابع أيديهم أو أقدامهم بلا إحساس ، وأن خوفهم من النار أو الموقد أو حواف السكاكين الحادة منعدم ، ومن المثير للسخرية أنه في حين أن معظمنا يتنقل بين الصيادلة والأطباء بحثا عن الشفاء من الألم ، يعيش هؤلاء خطرا مدقعا بسبب غيابه.

لذة الألم

يروي د. بول براند ما حصل معه من خدر في قدمه نتيجة النوم على أرضية القطار تعبا من رحلة سفره ، فقد كان يعتقد أنه اصيب بالجذام نتيجة فقده للشعور بالألم في كعبه فيقول : جلست وأخذت نفسا عميقا ، ثم غرزت طرف إبرة الخياطة في كعبي ، ثم صرخت !
لم يسبق لي أن ذقت شعورا لذيذا كما شعرت به في تلك اللحظة ، شعورا حيا و مكهربا من الألم ، قهقهت عاليا من حماقتي ، طبعا ! فقد بدا كل شيء منطقيا الآن . بما أني جلست متخشبا في القطار ، كان جسدي ضعيفا حيال الهزة المتواصلة التي أعادت توزيع الوزن والضغط ، وقد قطعت الطريق على الدم فلم يصل إلى الفرع الرئيسي من العصب الوركي في رجلي ، مما تسبب بخدر مؤقت ، والآن يرسل رسائل متواصلة للألم واللمس والحر والقر ، لم يكن هناك أي جذام أو مرض فقدان الألم ، تجاوزت جرفا هاربا لأعود إلى الحياة الطبيعية ، توجهت بهذا الدعاء : الحمد لك يا رب على الألم ! ألهمت هذا الدعاء كانعكاس للشعور بالامتنان ، أدركت للمرة الأولى كيف ينظر ضحايا فقدان الألم بعين الحسد إلينا نحن الذين نشعر بالألم.


                                                                                                               المراجع :
BBC معاناة أشخاص لا يشعرون بالألم
ميدان : لماذا لا يشعر بعض الناس بالألم ؟
هبة الألم لماذا بول براند وفيليب يانسي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق