الجمعة، 17 أبريل 2020

الاستشراق


يمثل الاستشراق ذلك التيار الذي ظهر في الدراسات المختلفة عن المشرق الإسلامي ، حيث شمل حضارته وآدابه ولغاته وثقافته ، وقد أسهم هذا التيار في صياغة التصورات الغربية عن العالم الإسلامي ، معبرا عن الخلفية الفكرية للصراع بينهما ، ولا ريب أن الاستشراق هو الوليد الطبيعي للثقافة الناتجة له ، فالمفكر ما هو إلا رهين الثقافة التي ينشأ فيها وليس وليدا للموضوع الذي يدرسه ، ولهذا لم يستطع أي مستشرق أن يتناول موضوعات درسه بعيدا عن خلفيته الثقافية المسبقة ، ودون الخضوع للقوالب الفكرية المفروضة عليه من ثقافته التي يصعب عليه تجاوزها والوقوف على المدروس وقفة حياد . ولقد استفادت الحركات الاستعمارية والحركات ما بعد الاستعمارية ( الكولونيالية ) كثيرا من الدراسات الاستشراقية والتراث الاستشراقي ، وهذا ما أكد عليه ادورد سعيد في كتابه الاستشراق : التوسع الأوروبي تزامن مع تقدم مؤسسات الاستشراق .

ولا يشك أحدا في الانتقائية والتشويه الذي يصيب أغلب دراسات المستشرقين في معظم المجالات ، ويعد هذا التشويه طبيعيا لاستخدام مناهج البحث الغربية المادية والعلمانية وغيرها من المناهج التي خضعت في نشأتها وتطورها لظروف زمانية ومكانية ، والتي لا تتوافق مع وقائع التاريخ الاسلامي ، كما أن بعض هذه المناهج جاء تحديدا لمحاربة الإسلام والشريعة الاسلامية ذاتها ، وعليه فان فهم الإسلام بناء على ما قدمته الدراسات الاستشراقية يدخل في علاقة مع تجارب الاستشراق الخاصة ، بحيث لا يمكن تجاوز البيئة والواقع الاجتماعي الذي أثر فيهم ، وعليه فان الاستشراق يفقد علميته المدعاة  لتبعيته الخارجية ، ويجعل منه مجرد أداة في أيدي الحضارة الغربية وتوجهاتها المختلفة ، اذ أنه يفضح العقلية الغربية أكثر مما يكشف عن الموضوع المدروس.

ويرى مالك بن نبي في كتابه " انتاج المستشرقين وأثره في الفكر الاسلامي الحديث " أن أوروبا سعت إلى دراسة التراث الإسلامي في المرحلة ما بعد الاستعمارية مرة أخرى ، لا من أجل تعديل ثقافي وإنما من أجل تعديل سياسي ، لوضع خطط سياسية جديدة موافقة لما تقتضيه السياسات في البلاد الإسلامية ، وصولا إلى السيطرة على الشعوب ، ذلك أن الدراسات الاستشراقية لم تكن أمينة في عرضها للتراث الإسلامي ، مما أدى إلى أن يشوه الاستشراق نفسه ومن تاريخه ، كما شوه إنجازاته ، وشوه الشخصية الإسلامية أمام نفسها وأمام الغرب ، فما استطاع الغرب أن يفهمها حين تعامل معا ، وما استطاعت أن تعرف نفسها للغرب .

ولعله من باب الانصاف والموضوعية الإشارة إلى مجموعة من المستشرقين التي تميزت دراستهم للإسلام والحضارة الإسلامية بروح علمية محايدة وموضوعية ، مثل دراسات توماس أرنولد ، وغوستاف لوبون وغيرهم ، لكن هذه الدراسات الموضوعية تعتبر ضئيلة الحجم مقارنة بالسيل الجارف للدراسات الاستشراقية ألا علمية ولا موضوعية التي بلغت في فترة من الفترات ما يقارب الستين ألف كتاب تعنى بالشرق العربي وحده ، كما بين ذلك غسان سلامة في كتابه " عصب الاستشراق " حتى أن الكنيسة منعت الكتب التي تظهر العطف والحياد في دراستها للإسلام ، ووضعتها في قائمة الكتب المحظورة ، ونكلت في مؤلفيها ، ويمكن لمن أراد التوسع في هذا الجانب الرجوع إلى كتاب محمود زقزوق " الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري "

تغلل المستشرقون في ميادين الحياة في العالم الاسلامي لتحقيق أهدافهم ، منهم من اكتسب عضوية في مجامع اللغة العربية ، ومنهم من اصدر المجلات المتخصصة باللغة العربية ، وإلقاء المحاضرات ، وصولا إلى إصدار الموسوعات الكبرى ، والأسواء من هذا ايجاد قاعدة لهم من الداخل تتبنى أفكارهم وأطروحاتهم وتعمل على ترويجها داخل المجتمعات الإسلامية ، ونستطيع رؤية ذلك بوضوح عند بعض الكتاب العرب ممن تلقوا تعليهم في الغرب أو على أيدي استشراقيين ، ولا يخفى على أحد تأثر طه حسين بالاستشراق حتى قال مقولته التي تبين الانهزام الثقافي والضعف النفسي بالإسلام وحضارته حين قال علينا أن نأخذ من الغرب الغث والسمين ، وعندما وصف الاستعمار الفرنسي على مصر بالفتح مشبها إياه بالفتوحات الاسلامية .

إن الخروج من عصر التبعية الفكرية لا يتم إلا بتحرير الإنسان المسلم من العبودية لكافة الأصنام السياسية والاجتماعية والثقافية .

هناك 4 تعليقات:

  1. مقالة جميلة، أشكرك على النشر ^_^
    لو كنت اعلم ان لديك هذه الثقافة الجيدة في الاستشراق لكنت أخبرتك أن تحل محلي في مناقشة كتاب الاستشراق مع نادي القراءة المشتركة به 😁

    ردحذف
    الردود
    1. العفو ، والأجمل مشاركتكم الدائمة لسراج :)
      شكرا لك ، هذا من تواضعكم وحسن ظنكم :)

      حذف
  2. الاستشرق له أهداف إيجابية واضحة وسلبية مخفية، ولكن أصبحت المخفية أكثر وضوحاً بما فيه من تغيير وتشكيك بالمعتقدات وتشويهها على أسس توضيح كاذب الذي أوهم الكثير يقول محمود شاكر‏ :"(الاستشراق)هو عينُ (الاستعمار) التي بها يُبْصِرُ ويُحَدِّقُ، ويدهُ التي بها يُحِسُّ ويبطشُ، ورجلهُ التي بها يمشي ويتوغل، وعقله الذي به يفكر ويستبينُ، ولولاهُ لظلَّ في عميائه يتخبَّط. ومنْ جهلَ هذا فهو بِبَدَائِهِ العقولِ ومسلماتها أجهل."أحسنتم الطرح كالعادة بارك الله فيك.

    ردحذف
    الردود
    1. ما شاء الله ، فتح الله عليكم فتوح العارفين .
      وفيكم بارك الله :) شكرا لكم على متابعتكم الدائمة لسراج :)

      حذف