الشعر ديوان العرب ، والديوان يجمع الناس ليتعارفوا
ويتآلفوا والشعر هو الزاد الثقافي الذي لا ينفد ، والوجبة الدسمة الأشهى مذاقا ، هو الركيزة الثقافية التي لا يهزها الريح ، و رصيد الأمة وعاملا
هاما في قيمها الحضارية ، درة تراثها وعنوان مجدها وخلودها.
الشاعر في القبيلة هو الناطق الإعلامي باسمها والمؤرخ لأمجادها ، هو منبع الجمال والوعي في وجدان ابنائها ، وذلك لكل الأمم وليس لأمتنا وحدها ، سئل تشرشل ذات يوم سؤالا نصه " بماذا تفخر بريطانيا اليوم أكثر بمستعمراتها التي لا تغيب عنها الشمس أم شكسبير ؟ فأجاب بأن بريطانيا تفخر بشكسبير أكثر" لأن فخرها بشاعرها العظيم لا يزول ولكن مجدها الاستعماري سوف يزول يوما وقد زال بالفعل . وحق لبريطانيا أن تحتفي بشاعرها العظيم الذي غادر الدنيا قبل أربعة قرون ولا زال يملأ الدنيا ويشغل الناس كالمتنبي عندنا .
الشاعر في القبيلة هو الناطق الإعلامي باسمها والمؤرخ لأمجادها ، هو منبع الجمال والوعي في وجدان ابنائها ، وذلك لكل الأمم وليس لأمتنا وحدها ، سئل تشرشل ذات يوم سؤالا نصه " بماذا تفخر بريطانيا اليوم أكثر بمستعمراتها التي لا تغيب عنها الشمس أم شكسبير ؟ فأجاب بأن بريطانيا تفخر بشكسبير أكثر" لأن فخرها بشاعرها العظيم لا يزول ولكن مجدها الاستعماري سوف يزول يوما وقد زال بالفعل . وحق لبريطانيا أن تحتفي بشاعرها العظيم الذي غادر الدنيا قبل أربعة قرون ولا زال يملأ الدنيا ويشغل الناس كالمتنبي عندنا .
هذا الشعر اذن له دوره و وزنه ومكانته ، له حضوره في
وجدان من يقرأه، هذا الشعر هو لمسة لجمال الروح ،
وقطرة المطر للتربة المتعطشة إلى الماء ، هو خفقة الخاطر الجميل اذا اكفهر ليل
المتاعب والمصائب ، والشباب هم أصحاب الكلمة في تحديد مكانة الشعر ودرجة تذوقه ،
وهم حفظته ذلك أن الأجيال الذين سبقوهم قد أحبوا الشعر وحفظوه وتذوقوه واعترفوا
بدوره ، واستفادوا من حكمه إذا كان شاعره حكيما ومن جمالياته إذا كان شاعره متغزلا
، وبالمدح والرثاء إذا كان شاعره مادحا أو ذاما ، وقد أصبحت بعض أبيات الشعر تتردد
على أفواه حتى من لا يعرف القراءة والكتابة والكبير والصغير .
ومثال ذلك بيت شعر لأبي البقاء الرندي :
ومثال ذلك بيت شعر لأبي البقاء الرندي :
هي الأمور كما شاهدتها دول من سره زمن ساءته أزمان
وإذا ما قصر أحدهم بحق المعلم من حيث الاحترام والتبجيل حتى يقال له بيت شعر لأحمد شوقي :
قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا
واذا ما سارت ظروف أحدهم على غير ما يشتهي حتى يقال له بيت المتنبي :
ما كل ما يتمنى المرؤ يدركه تجري الرياح بم لا تشتهي السفن
وهكذا يلتصق الشعر الحكيم المؤثر حتى في وجدان غير
المتعلمين إلى أن يصبح جزءا من بعض خطابهم اليومي ،هذا هو الشعر الذي تعلمناه
منذ الصغر في مناهجنا ، وهو الذي رددناه وحفظناه زادا لمخزوننا الثقافي في حياتنا ، فازادت مساحة معارفنا ، وتهذبت ألفاظنا وسمت أذواقنا ، كنا نحفظه صغارا ،
ونتبارى فيه شبابا فيذكر أحدنا بيتا من الشعر ثم يطلب من منافسه بيتا آخر يبدأ
بالحرف الذي انتهى به البيت الأول وهكذا ... فتصور كم سيكون مخزون من يريد الفوز
في هذه المباراة ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل يتعداه عند بعضهم إلى محاولة
كتابة أبيات من الشعر قد تكون ساذجة في البداية ، وأنه بها دخل خيمة الشعراء .
ديوان العرب هذا قد تعرض خلال نصف القرن الماضي إلى
عاصفة غريبة هبت عليه وعصفت بأركانه وهي الوزن والقافية والصور الشعرية المتقدمة هبت رياح أطلق عليها رياح التجريب والتطوير والتحديث فتجاوزت سلبا بحور الفراهيدي
، وعبثت بالشكل الشعري وحولت المعاني إلى طلاسم لا شكل لها ولا لون ، ويرى بعض
النقاد أن هذه الرياح قد هبت بعد محاولات عديدة لترجمة الأشعار الأجنبية والشعر
حين يترجم يفقد الكثير من خصائصه وهو لا يمكن أن يستقيم إلا على يدي شعراء
تمكنوا من أدواتهم الشعرية وعليهم أن يترجموا الشعر شعرا كما فعل أحمد رامي حين
ترجم رباعيات الخيام ، ومن هنا أصبحت الترجمة وشعر الحداثة بعد ذلك مسخا غريبا لا
هي بالشعر ولا بالنثر ، غابت عنها المعاني والموسيقى الشعرية ، واغتربت عن الواقع ودفعت بجمهور متذوقي الشعر بعيدا بعيدا عن قراءته أو البحث عنه ويبدأ التحول
الخطير في الإنتاج الشعري وعزوف متذوقيه عنه ، وينتصب جدارا سميكا بين الشباب وهم
متلقو الشعر ومتذوقوه وحاملوه إلى الأجيال القادمة وبين منتجيه من شعراء الحداثة ، للأسف فان هذا العزوف قد انسحب على الحركة الشعرية عموما فذهب الصالح بذنب الطالح ، جاء هذا الذي يسمونه شعرا ليطلق رصاصة الرحمة على ما تبقى من حافز لدى الشباب
ليعودوا إلى ديوانهم وتحققت الغربة وأصبح الشاعر الحديث يدور مع نفسه ، ويكتب من
برجه العاجي لهواجسه ، ودارت معه كزكبة من النقاد العاملين في المجلات وملاحق
الصحف الأدبية ، ليصفقوا للموجة الجديدة هم يريدون التجديد لمجرد التجديد . كيف
يتشكل ؟ ومن يشكله ؟ وما هي أهدافه وخصائصه ، وما هو تأثيره على أذواق الشباب على
المدى البعيد ؟ كل هذا لا يعنيهم لا من قريب ولا من بعيد.
الهدف واحد وهو أسبيقة التجديد لدى الناقد والناشر ، لكي
يقال هذا ناقد حداثي وتلك صحيفة تحتضن التجديد وتواكب العصر ، وعلى القارئ أن يفهم
رغم أنفه ، عليه أن يحدق ويخمن ويتأمل ويدقق فعسى أن يغوص إلى مكنونات الشاعر
الغامض المجدد ، على القارئ أن يهم وإلا اعتبر جاهلا متخلفا ... وهكذا سارت الأمور
وتسير : الصحف التقدمية تتبنى هذا النهج وترعاه ، والنقاد يفلسفونه ويسبغون عليه
من الأبعاد ما ليست فيه ، وليذهب إلى الجحيم كل من لا يفهم إن فهموا فهموا وإلا
هذه مشكلتهم فليحلوها بأنفسهم إذا ما أرادوا اللحاق بقطار التطور الذي يمضي ولا
ينتظر أحدا ، كل هذا وشعراء الحداثة يحققون نصرا آنيا يزول بزوال مضلة الإعلام
عنهم ، ولا يدركون أنهم يرتكبون خطيئة يتفاقم ضررها جيلا بعد جيل ، بأنهم يخربون
ديوان العرب ، ويطردون ضيوفه عنه بكل قسوة وعنف.
المرجع : يوسف الغزو ، أزمة التذوق الفني عند الشباب
بالفعل الشعر القديم كانت له ثقافته وفصاحته يتعجب منه المنصت، أما الآن لا معنى له أبداً ولا أرى في حداثة الشعر غير الضياع فيه، أحسنتم الطرح
ردحذف